الرئيسية / مقالات / العهدة العُمريّة – بين حريّة العبادة وحريّة الضمير – بقلم القس عازر عجاج

العهدة العُمريّة – بين حريّة العبادة وحريّة الضمير – بقلم القس عازر عجاج

لا ريب أنّ كلّ باحث يحاول الوصول الى فهمٍ وافٍ لما يُعرف بـ “العُهدة العمريّة“، سيتعجب للخلاف الشديد المتعلق بهذه الوثيقة، والاختلافات الكبيرة التي تدور حولها، ليس بين المسلمين والمسيحيّن فحسب، بل بين المسلمين أنفسهم من ناحية، وبين المسيحيّن انفسهم من ناحية أخرى. فقسم من المسلمين يعتبر هذه العُهدة “أعظم العهود”، وبأنها خير برهان على مدى تسامح المسلمين في فتوحاتهم مع غير المسلمين، تسامح المنتصر مع المهزوم أو المُستسلم. وبناء على هذا، يعتبر هؤلاء الأشخاص أنّ هذه الوثيقة من أهمّ الوثائق الخاصة بحقوق الانسان، الأمر الذي كان الاسلام سبّاقاً له، بحسب رأيهم.[1] ويذهب آخرون من المسلمين الى نقيض ما سبق، فيعتبرون أن العهدة العمريّة لم تأتِ إلّا لإذلال المسيحيّن وتحجيمهم ووضعهم في مكانهم الصحيح في الدولة الإسلاميّة، علّهم يتّبعون الاسلام ديناً.[2] وأيُّ حديث عن “تسامح دينيّ” ما هو إلا مفهوم عصريّ يُخالف روح الاسلام.[3 ] ويختلف المسيحيون في موقفهم من العهدة كذلك، فيتفق مع الفكرة الأخيرة عدد ليس بقليل من المسيحيّن الذين يجدون فيها “الدلائل التي تؤكد بوضوح على عدم قابلية الإسلام للتعايش مع الشعوب التي لا تدين به”،[4] ويؤكدون أن هذه العهدة ما هي إلا “شروط وُضعت لأذلال ومحو هويّة الأمم التي احتّل الأسلام أراضيها، والقضاء على الأديان التي يؤمنون بها. ولهذا فهي وثيقة كبت الحرّيات الدينيّة وجعل مواطني الشعوب المُحتلة أقل من درجة العبيد”.[5] بينما يجد فيها آخرون أنها “خير دليل على التعامل الإسلاميّ السّمح إزاء المسيحيّن”.[6] بينما يجد آخرون أن ما يُسمى بـ “العهدة العمريّة”، ما هي إلا وثيقة لا تمت بأية صلة لعمر لا من قريب ولا من بعيد، ولا يوجد أي معنى لنقاشها، أو اعتبارها كنموذج لعلاقة المسلمين التاريخيّة بالأقليات الدينيّة.

وهنا يأتي السؤال، لماذا هذه الاختلافات والمواقف؟ هل الحديث هنا عن وثيقة واحدة يختلف الشرّاح في تفسيرها وإدراك تأثيرها وتطبيقها؟ أما لدينا نصوص تاريخيّة مختلفة تُستخدم بحسب أهواء الحكّام ورجال الدين أو الباحثين؟ هذا ما سأحاول الاجابة عليه في هذا المقال، مستعرضاً وجهات النظر الرئيسية بما يتعلق بـ “العهدة العمريّة”، مناقشتها وتقييم ملاءمتها لعصرنا الحالي الذي تعلو فيه الاصوات التي تنادي ليس بحريّة العبادة فحسب بل بحريّة الضمير أيضاً.

مقدمة تاريخيّة

يرتبط تاريخ العُهدة العمريّة بغزو المسلمين لمدينة القدس، وقد عُرفت المدينة في تلك الفترة باسم “إيلياء”، وهو الاسم الذي أطلقه الامبراطور الروماني هدريان سنة 130م على المدينة الجديدة التي تم بنائها على أنقاض مدينة أورشليم “أيليا كابيتولينا“، واستخدم المسلمون هذا الاسم في وثائقهم الرسميّة حتى القرن الثامن تقريباً.[7] وفي سنة 637م توجّهت جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص وأبو عبيدة الجراح الى مدينة القدس، وذلك إثر انتصارهم على الروم في معركة اليرموك الشهيرة. وبعد حصار المدينة لمدة أربعة أشهر، قام بطريرك المدينة صفرونيوس بالاستسلام والدخول في ذمة المسلمين بشرط أن يأتي عمر بن الخطاب نفسه لاستلام المدينة. وبوصول عمر تم الاتفاق أو استلام وثيقة المعاهدة والتي عُرفت لاحقاً بإسم “العُهدة العمريّة”.[8] أو بكلمات أخرى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس.[9]

قد يخيّل لنا حتى الآن أنّ الامور بسيطة وأنّ القارئ سيتمكن من خلال قراءة الوثيقة أن يقيّمها بنفسه، ويستخلص ما يستخلص منها. لكن هنا بالذات تكمن المشكلة، لانه لا يوجد بين أيدينا نص لوثيقة واحدة يعود تاريخها لتلك الفترة، بل سيجد من يبحث عدة نصوص يعود أقربها للقرن الثالث للهجرة! وتختلف قسم من هذه النصوص اختلافاً جوهرياً بعضها عن البعض. واختصاراً، سأورد أربعة من هذه النصوص التي تمثل النصوص المختلفة الموجودة بين أيدينا اليوم.

النصوص المختلفة للعهدة العمريّة

نص اليعقوبي

“بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدسِ: إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، لا تسكن ولا تخرّب، إلا أن تحدثوا حدثاً عاماً, وأشهد شهودا”.[10]

نص ابن عسـاكـر

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى أهل الشام إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وأهالينا وأموالنا وأهل ملتنا، على أن نؤدي الجزية عن يد ونحن صاغرون، وعلى ألا نمنع أحدًا من المسلمين أن ينزل كنائسنا في ليل أو نهار، ونضيفهم فيها ثلاثًا، ونطعمهم الطعام ونوسِّع لهم أبوابها، ولا نضرب فيها بالنواقيس إلا ضربًا خفيفا، ولا نرفع فيها أصواتنا بالقراءة، ولا نؤوي فيها ولا في شيء من منازلنا جاسوسًا لعدو لكم، ولا نحدث كنيسة ولا ديرًا ولا صومعة ولا قلاية، ولا نجدِّد ما خرب منها، ولا نقصد الاجتماع فيما كان منها من خطط المسلمين وبين ظهرانيهم، ولا نُظهِر شركًا ولا ندعو إليه، ولا نظهر صليبًا على كنائسنا، ولا في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، ولا نتعلم القرآن، ولا نُعلِّمه أولادنا، ولا نمنع أحدًا من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إذا أراد ذلك، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ونلزم ديننا، ولا نتشبه بالمسلمين في لباسهم ولا في هيئتهم، ولا في سروجهم، ولا في نقش خواتيمهم فننقشها نقشًا عربيًا، ولا نتكنى بكناهم..  علينا أن نعظمهم ونوقرهم، ونقوم لهم من مجالسنا، ونرشدهم في سبلهم وطرقاتهم، ولا نطلع في منازلهم، ولا نتخذ سلاحًا ولا سيفًا، ولا نحمله لا حضر ولا سفر في أرض المسلمين، ولا نبيع خمرًا ولا نُظهِرها، ولا نُظهِر نارًا مع موتانا في طريق المسلمين، ولا نرفع أصواتنا مع جنائزهم، ولا نجاور المسلمين بهم، ولا نضرب أحدًا من المسلمين، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهامهم. شرطنا ذلك كله على أنفسنا وأهل ملتنا. فإن خالفنا فلا ذمةَ لنا ولا عهد، وقد حل لكم مِنّا ما يحل لكم من أهل الشقاق والمعاندة”.[11]

نص الطبري

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر، أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حدها ولا من صلبانهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن -يقصد مدن فلسطين-، على أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعتهم وصليبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أرضه، فإنه لا يؤخذ منه شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليه من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. كتب وحضر سنة خمس عشرة. [12]

نص الكنيسة الارثوذكسية

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهدانا من الضلالة، وجمعنا بعد الشتات وألَّف قلوبنا، ونصرنا عَلى الأعداء، ومكّن لنا من البلاد، وجعلنا إخوانًا متحابين، واحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة. هذا كتاب عمر بن الخطاب لعهدٍ وميثاق أُعطي إلى البطرك المبجل المكرّم وهو صفرونيوس بطرك الملت الملكية في طورزيتا بمقام القدس الشريف في الاشتمال على الرعايا والقسوس والرهبان والراهبات حيث كانوا وأين وجدوا، وأن يكون عليهم الأمان، وأن الذمي إذا حفظ أحكام الدين وجب له الأمان والصون مِنّا نحن المؤمنين وإلى من يتولى بعدنا وليقطع عنهم أسباب جوانحهم كحسب ما قد جرى منهم من الطاعت والخضوع، وليكن الأمان عليهم وعلى كنائسهم وديارهم وكافت زياراتهم التي بيدهم داخلًا وخارجًا وهي القيامة وبيت لحم مولد عيسى عليه السلام كنيسة الكبراء، والمغارة ذي الثلاثة أبواب، قبلي وشمالي وغربي، وبقية أجناس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتون للزيارة من الإفرنج والقبط والسريان والأرمن والنساطرة واليعاقبة والموارنة تابعين للبطرك المذكور.. يكون متقدمًا عليهم لأنهم أعطوا من حضرت النبي الكريم والحبيب المرسل من الله وشرفوا بختم يده الكريم، وأمر بالنظر  إليهم والأمان عليهم، كذلك نحن المؤمنون نُحسِن إليهم إكرامًا لمن أحسن إليهم، ويكونوا معافًا (معافيين) من الجزيت والغفر (الخفر) والمواجب، ومسلمين من كافة البلايا في البر والبحور وفي دخولهم للقيامة وبقية زياراتهم لا يؤخذ منهم شيء، وأما الذين يقبلون إلى الزيارة إلى القيامة، يؤدي النصراني إلى البطرِك درهم (درهمًا) وثلث من الفضة، وكل مؤمن ومؤمنة يحفظ ما أمرنا به سلطانًا كان أم حاكمًا واليًا يجرى حكمه في الأرض، غني أم فقير من المسلمين المؤمنين والمؤمنات. وقد أعطى لهم مرسومنا هذا بحضور جم الصحابة الكرام، عبد الله، وعثمان بن عفان وسعد بن  زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبقية الأخوة الصحابة الكرام. فليعتمد على ما شرحنا في كتابنا هذا ويعمل به، وأبقاه في يدهم، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين حسبنا الله ونعم الوكيل. في العشرين من شهر ربيع الأول سنة خامس وعشر للهجرة النبوية. وكل من قرى (قرأ) مرسومنا هذا من المؤمنين وخالفه من الآن والى يوم الدين فليكن لعهد الله ناكثًا ولرسوله الحبيب باغضًا”.[13]  

مناقشة النصوص

تاريخيّة العهدة العمرية

إنّ أوّل سؤال نصطدم به متعلق بتاريخيّة هذه الوثيقة، فكما سبق وذكرنا، لا يوجد بين أيدينا أي مخطوطة تاريخيّة لنص العُهدة، وجميع النصوص التي ذكرناها سابقًا ذُكرت في كتابات متأخرة. ويلخص الزيّان في مقاله مصادر العُهدة التاريخيّة، بداءةً بكتب الحديث، حيث يذكر اننا لا نجد أي نص مباشر للعهدة، وكل ما نجده هو فقط تلميح أن الخليفة عمر قد أعطى كتابا لاهل القدس. أما في كتابات الفقه الاسلامي فنجد الشروط العمريّة فقط ولا وجود لذكر عهد أمان. أما في كتب التاريخ فنجد نصاً كاملاً للعهدة فقط في كتابات الطبريّ. أما باقي النصوص فهي مجزوءة، بحسب ما أورد.[14] ولذلك فنحن أمام عدة نصوص لا نستطيع الجزم في تاريخيّة أي منها، وكل ما نملك هو تلميح ان هناك كتاباً أعطاه عمر لاهل إيلياء (القدس) كما ذكرنا سابقًا.

اختلافات النصوص

أما سؤالنا الثاني، لماذا هذه الاختلافات في النصوص؟ وهنا ينسب البعض هذا الاختلاف لتلاعب المسيحيّن في نص هذه العهدة. فيذكر شفيق مثلاً: “وقد كان التحريف أو التزوير يحدث من قبل أهل الذمة أنفسهم – طمعًا في اكتساب حقوق جديدة إضافة إلى الحقوق التي منحهم إياها المسلمون، أو تخفيفًا لبعض الشروط التي اشترطها المسلمون عليهم”.[15] ويرفض مثل هؤلاء طبعاً نص اليعقوبي والطبري ويميلون لقبول نص ابن عساكر، الذي يطلق عليه أيضاً اسم الشروط العمريّة. ومن جهة أخرى، يتهم البعض المسلمين أنفسهم بإحداث التحريف في فترة متأخرة أراد فيها الاسلام التسلط وإذلال المسيحيّن.[16] فيذكر اندراوس في مقاله: “العهدة العمرية كانت عهد أمن وأمان للكنائس والرهبان وغيرها ولكن المسلمين تركوا العهدة العمريّة واخترعوا عهده أخرى ليس معروف مصدرها أسموها الشروط العمرية وألصقوها بعمر بن الخطاب”.[17] وهو وغيره طبعاً يميلون لقبول نص اليعقوبي أو الطبري. وبذلك ينسب كل طرف وجود تضارب واختلاف النصوص الى محاولة تزوير أحد الأطراف هذه الوثيقة لينالوا إما مكسباً (على فرض أن المسيحيون قاموا بتحريف أو تغيير النصوص)، أو تسلطاً وإذلالاً (على فرض أن المسلمون قاموا بالتحريف أو التغيير).

قبول النص أو رفضه

وهنا نأتي لسؤالنا الثالث، على ماذا استند المفسرون في قبولهم نص ورفضهم لآخر؟ وللإجابة على هذا السؤال سأستعرض أولاً المواقف المختلفة حول هذه الوثيقة، الأمر الذي سيساعدنا على فهم مبادئ رفض نص وقبول الأخر.

يميل البعض الى اعتماد نص اليعقوبي معلّلين ذلك أن العهود الإسلاميّة في تلك الفترة كانت مختصرة ومقتضبة ولا تشمل التفاصيل. فنقرأ على سبيل المثال:

إنّ المُطّلع على أسلوب الكتابة عامة، وكتابة العهود والمواثيق والمراسلات الرسمية خاصة في عصر صدر الإسلام، يدرك أنها كانت تعمد إلى الاختصار، وتبتعد عن المُقدمات، وألفاظ التفخيم، والمحسنات، وتعالج الموضوع المقصود مباشرة، بأوضح الألفاظ وأقل الكلمات.[18]

ومع إمكانية صدق هذه الفرضية إلا أني سأعتبر نص الطبري، لغرض بحثنا هذا، بديلاً لهذا النص (البعفوبيّ)، وذلك لسببين: الأول، نجد في نص الطبري توجه مشابه لتوجه نص اليعقوبي لكن مع توسع في الشرح. ثانياً، سيجد أي باحث أن النقاش والخلاف الرئيسيّ بين الباحثين، هو بين قبول نص الطبري أو نص إبن عساكر.

أما النص الذي أصدرته الكنيسة الارثوذكسية على أنه النص الاصليّ فهو ضعيف جداً وتظهر ملامح جليّة على كتابته بفترة متأخرة جداً، أذكر منها ما أورده العارف في كتابه “المفصل في تاريخ القدس”، ما يلي: أولا أسلوب الكتابة مختلف كلياً عن أسلوب القرن السابع، واستخدام “التاء المفتوحة” في كلمات مثل “ملت” و”جزيت” وغيرها يشير أن هذه الوثيقة كتبت في العصر العثماني المتأخر. ثانياً، تطلق الوثيقة اسم “القدس” على المدينة وكما سبق وذكرنا، هذا الاسم لم يكن مستخدماً آنذاك. ثالثا، كان الروم البيزنطيين فقط في المدينة وذكر طوائف مسيحية أخرى يضعف جداً من مصداقية هذه الوثيقة.[19] لذلك سأتخلى عن نقاش هذه الوثيقة في مقالنا هذا أيضاً.

نص الطبري أم نص ابن عساكر؟

ما تبقى بين أيدينا إذن هو قبول أحد النصيين، ابن عساكر أو الطبري. وبما أن المرجعيّة التاريخيّة مفقودة، وبما ان الجميع يقبل وجود عهدة كهذه، لا يتبقى أمام الباحث إلا قبول نص يتماشى مع قراءته للتاريخ الإسلاميّ، إن كان بتوجه الإسلام العام أو بفهمه للشخصيات التاريخيّة الإسلاميّة، ولذلك تصبح هذه النقطة نقطة القرار. فمن يجزم بأن الإسلام دين تسامح يقبل غيره من الاديان، خاصة اليهوديّة منها والمسيحيّة، سيؤيد الطبري، إذ يجد نصه نصاً متزناً “ﺘﺠﻠﺕ فيه ﺴﻤﺎﺤﺔ ﺍﻹﺴﻼﻡ ﺒﻜل ﻤﻌﺎﻨﻴﻬﺎ، “ﻓﻼ ﺍعتداء ﻤﻨﻬﻡ ﻋﻠـﻰ ﺃﺤـﺩ، ﻭﻻ ﻋﻠـﻰ كنائس ﺃﻭ ﺒﻴﻊ ﺃﻭ ﺼﻠﺒﺎﻥ، ﻓﻼ ﺘﻬﺩﻡ ﺍﻟﻜﻨﺎﺌﺱ ﻭﻻ ﻴﻨﺘﻘﺹ ﻤﻨﻬﺎ ﻭﻻ ﻤﻥ ﺤﻴﺯﻫﺎ ﻭﻻ ﻴﻜﺭﻫﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺩﻴﻨﻬﻡ”.[20] وليس ذلك فقط، بل أيضاً سيبرر قبوله لهذه العهدة لانها لا تعكس الاسلام فحسب بحسب هذا الرأي، بل ما عرف عن عمر بن الخطاب من عدل ورحمة أيضًا.[21]

وما يثير الاستغراب هنا، أن الطرف الآخر يعلل قبوله لنص ابن عساكر بناء على منهجيّة التفكير نفسها، أي فهمه للتاريخ الاسلاميّ وشخصيّة عمر. فيذكر عجين أنه لا يمكن قبول هذه المعاهدة المتساهلة كما أوردها الطبري فهذا لا يتناسب مع أسلوب الاسلام ونهجه في التعامل مع البلاد التي تم احتلالها.[22] ويعلل رواجها بين المسلمين بما أصابهم من ضعف ورضوخهم لروح العصر الذي نعيش فيه وما ينادى به من حقوق للانسان، أضف الى ذلك أنها لا تتناسب مع شخصيّة عمر.[23] وهذا بحسب رأيه لا يمكن أن يعكس صورة الإسلام لا في ماضيها ولا حاضرها وتاليًا يؤكد أن الشروط العمريّة هي الوثيقة التي يجب اعتمادها. فنقرأ على سبيل المثال:

ان القول عن التسامح الديني وخروج الشروط العمريّة عنها، فهذه دعوة عصريّة. واطار التعامل مع اهل الذمة يحكمه ما عرفه علمائنا وسلفنا من احكام أهل الذمة، وهي ليس بمصطلح مطاطي ينفذ من خلال هذا المصطلح الغث والسمين حتى لا يبقى بين المسلم والكافر فرق ولا تمييز بدعوى التسامح والانسانيّة… فكان يجب أن تشمل العهدة على عنصر الإذلال، فالإذلال امر نفسي يشعر به الذليل لعله يرنو الى العزة بترك شركه ليلجأ الى الحق في الاسلام. لذلك فرّق عمر بين امرين، الإذلال والظلم.[24]

بالطبع يمكن مناقشة المشاكل والتحديات الموجودة في النصيين، وهذا فقط يزيد من الارتباك المتعلق بهما أصلاً. فعلى سبيل المثال، يُنتقد نص الطبري بما أورده عن اشتراط مسيحيّ القدس بعدم “مساكنة اليهود” في المدينة، فهذا يبدو أمر غير شرعيّ، ويخلق بعض التحفظات على النص.[25] بالاضافة لامور أخرى لا يوجد مكان لمناقشتها هنا، كسكنى الروم وتعيين أوقات مبهمة في الوثيقة، وذكر تاريخ نصها قبل سنة من بداية استخدام التاريخ الهجري وغيرها من أمور. أما الانتقادات على نص ابن عساكر فهي أيضا ليست بقليلة. فالشروط تورد قوانين لأمور لم تكن مستخدمة في الفترة الإسلاميّة الاولى كأنواع اللباس.[26] وهي ضعيفة الاسناد.[27] ويمكن الافتراض أنها لو وجدت بالحقيقة وطُبقت  لقُضي على المسيحيّة في القرنين  الأولين.[28] وهذا بالحقيقة ما يناقشه عجين في مقاله، حيث يذكر أن المنتصر يسعى دائما لتذويب شخصية المنهزم في فكره وثقافته.[29] وبذلك لو تواجدت هذه الشروط فمن الصعب ان يكون هناك ذكر للمسيحيّة. وبالتوجه نفسه يرى الخوري أن قبول صفرونيوس لهذه العهدة لم يأتِ إلا لقناعته “بأنه لا بقاء للمسيحيّن ولا لكنيستهم إن لم يتصالح مع المسلمين”.[30]  بالطبع لا ينكر أحدا ان هذه الشروط (بغض النظر إن كانت من عمر أو لا) جرت ممارستها في فترات مختلفة من الحكم الاسلامي، لكن لا نستطيع أن نقول إنها طُبقت دائماً. ومن الملفت للانتباه، أن من يتبنى هذه الوثيقة ليس مسلمون متطرفون فحسب، بل نجد أن بعض المسيحيّن، وربما بعض المسلمين العلمانيين أيضاً، يميلون لتبني الشروط العمرية على غيرها من النصوص، ليؤكدوا بذلك ظلم الحكم الاسلامي وروحه لطمس وإذلال ومحو أي فكر آخر لا يتفق معه.[31]

العهدة العمرية وحاضرنا في الشرق

لا شك أن تاريخ العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة، وخاصة تعامل الدول الإسلاميّة المختلفة مع مسيحيّ الشرق أمر شائك، ويجب دراسته وبحثه ومناقشته والتعلم من ظروفه وحيثياته. لكن من المهم أن لا يشدنا نقاشنا للأحداث التاريخية ليبقينا في الماضي، مهما كانت أحوال هذا الماضي جيدة ام سيئة، بل يجب أن يكون الماضي درجة نرتقي منها إلى مستقبل أفضل وأمثل في علاقاتنا الإسلاميّة المسيحيّة. لانه من غير المعقول أن تحكم علاقاتنا عهدة مر على كتابتها أكثر من خمسة عشر قرناً؟ ولا يُعقل أن نستخدم نص وثيقة كُتبت في ظروف معينة وحضارة شعوب معينة، أن تستمر في تحديد علاقاتنا وحريتنا حتى وإن اختلفت الظروف والحضارات؟ وليس من الحكمة أن نبقى متقوقعين في أُطر عُهدة قديمة، بل علينا أن نسعى لبناء علاقة مبنية على احترام الانسان للانسان، والمواطن للمواطن، والجار لجاره.

هل تتلائم هذه العهدة مع عصرنا الذي يدعو الى التعددية وقبول الغير؟ هل يجب أن نعتمد على عهدة سيئة كانت ام جيدة، لبناء مجتمع حضاري يستطيع أن يعيش فيه الانسان مع أخيه الانسان بغض النظر عن دينه وعرقه؟ إن العهدة العمرية في أكثر نصوصها إيجابية لربما تضمن حرية المعتقد على الأكثر، لكن إن كنا نريد أن نعيش في شرق أوسط جديد علينا أن نسعى جميعاً لا لقبول حريّة المعتقد فحسب، بل حريّة الضمير أيضاً. وأقصد بحرية الضمير تلك الحريّة الكاملة التي تسمح لكل فرد بأن يؤمن أو لا يؤمن، بأن يمارس أو لا يمارس ديانته، وحتى بأن تكون له الحرية بأن يغيّر ديانته كما يريد بحسب اعتقاده الخاص وبحسب صوت ضميره، دون أن يُعتبر مرتداً ودمه مهدوراً. فأنا أومن كل الايمان بأن الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، ومنحه عقلا وإرادة يميزانه عن سائر المخلوقات، وكوّنه شخصا يتمتع بالحرية، وهو مسؤول عن أعماله وخياراته، وجعله موضع حقوق وواجبات، وأعطاه ضميرا حيّاً، به يمكنه البحث عن الحقيقة والوصول اليها دون إجبار.

ألم يحن الوقت بكل ما نمر به من أزمات في شرقنا العزيز أن نعيش في مجتمع ينفتح فيه القلب على القلب، والفكر على الفكر، وتتلاحق الارجل لا لتدوس الآخر بل لتسير معه جنباً لجنب لبناء مستقبلٍ أفضل؟


[1]  عزت فارس،  “قراءة في العُهدة العُمرية. “مجلة جامعة دمشق 26 عدد 1و2 (2010): 211-212

[2]   علي عجين، “العهدة العمرية: دراسة نقدية.” مجلة الحكمة 10 (2001): 74

[3]  علي عجين، 82.

[4]  بسام درويش، “نصارى أهل الشام وعمر بن الخطاب.” مجلة الناقد (استخدم في 2.12.2017) http://www.annaqed.com

[5]  عزت اندراوس، “العهدة العمرية أم الشروط العمرية؟” موسوعة تاريخ اقباط مصر. (استخدم في 2.3.2018)  http://www.coptichistory.org/new_page_181.htm

[6]  سميح غنادري، المهد العربي: المسيحية المشرقيّة على مدى ألفي عام (الناصرة: دار 30 آذار للنشر، 2007)، 267.

[7]  عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس ( القدس: مكتبة الاندلس، 1999)، 93.

[8]  كارل روكلمان،  تاريخ الشعوب الاسلامية  (ترجمة: نبيه فارس وأمير البعلبكي. بيروت: دار العلم للملايين، 1973)، 98.

[9]  كانت هذه العهدة واحدة من عهودات كثيرة قام المسلمون بكتابتها للمسيحيين العرب. لم تكن هذه العهودات متشابهة في أحكامها ومتطلباتها. (سميح غنادري، 264).

[10]  اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي: ج2 ص 46. نص اليعقوبي المتوفي سنة 328 هـ

[11]  ابن عسـاكـر: تهذيب تاريـخ دمشق، ج 1 ص 179 منقول عن (محمود 2014، 62). وقد عرف هذا النص بالشروط العمرية.

[12]  ﺘﺎﺭﻴﺦ ﺍﻷﻤﻡ ﻭﺍﻟﻤﻠﻭﻙ/ﻡ2/ﺝ4 158-159

[13]  وهو النص الذي نشرته بطريركية الروم الأرثوذكس عام 1953م.

[14]  رمضان الزيّان، “روايات العهدة العمرية: دراسة توثيقية.” مجلة الجامعة الإسلامية، سلسلة الدراسات الاسلامية، 14 عدد 2 (2006): 176-177

[15]  شفيق محمود، “العهدة العمرية النصوص الواردة ومناقشتها.” مجلة الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة. 62 (2014).

[16]  باسم فرات، “الاسلام بين الاسطورة والواقع، العهدة العمرية انموذجاً. الحوار المتمدن 2541 (2009).

[17]  عزت اندراوس.

[18]  شفيق محمود. أنظر أيضاً باسم فرات.

[19]  عارف العارف، 93.

[20]  عزت فارس، 211

[21]  سميح غنادري، 265. أنظر أيضاً عزت اندراوس.

[22]  علي عجين، 74.

[23]  علي عجين، 74.

[24]  علي عجين، 82-83.

[25]  شفيق محمود. أنظر أيضاً علي عجين، 74.

[26]  شفيق محمود.

[27]  رمضان الزيّان، 190

[28]  باسم فرات.

[29]  علي عجين، 85.

[30]  جريس خوري، كتاب البرهان في تثبيت الايمان: صفرونيوس بطريرك القدس، حياته وأعماله والعهدة العمرية (القدس: اللقاء، 2015)، 102.

[31]  بسام درويش.

المراجع

  1. الزيّان، رمضان إسحاق. “روايات العهدة العمرية: دراسة توثيقية.” مجلة الجامعة الإسلاميّة، سلسلة الدراسات الإسلاميّة، 14 عدد 2 (2006): 169-203.
  2. العارف، عارف. المفصل في تاريخ القدس. القدس: مكتبة الاندلس، 1999.
  3. اندراوس، عزت. “العهدة العمرية أم الشروط العمرية؟” موسوعة تاريخ اقباط مصر. (استخدم في 2.3.2018)  http://www.coptichistory.org/new_page_181.htm
  4. بروكلمان، كارل.. تاريخ الشعوب الإسلاميّة.  ترجمة: نبيه فارس وأمير البعلبكي. بيروت: دار العلم للملايين، 1973.
  5. خوري، جريس سعد. كتاب البرهان في تثبيت الايمان: صفرونيوس بطريرك القدس، حياته وأعماله والعهدة العمرية.  القدس: اللقاء، 2015.
  6. درويش،,بسام. “نصارى أهل الشام وعمر بن الخطاب.” مجلة الناقد (استخدم في 2.12.2017) http://www.annaqed.com
  7. عجين، علي ابراهيم. “العهدة العمرية: دراسة نقدية.” مجلة الحكمة 10 (2001): 67-88.
  8. غنادري، سميح. المهد العربي: المسيحيّة المشريقية على مدى ألفي عام. الناصرة: دار 30 آذار للنشر، 2009.
  9. فارس، عزت محمود “قراءة في العُهدة العُمرية. “مجلة جامعة دمشق 26 عدد 1و2 (2010): 205-225.
  10. فرات، باسم. “الاسلام بين الاسطورة والواقع، العهدة العمرية انموذجاً. الحوار المتمدن 2541 (2009). http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=161134&nm=1
  11. محمود، شفيق.”العهدة العمرية النصوص الواردة ومناقشتها.” مجلة الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنورة. 62 (2014).

شاهد أيضاً

الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل

بقلم القس عازر عجاج مقدمة تحتفل الكنائس الإنجيلية عامة والكنيسة اللوثرية خاصة بمرور خمسمئة سنة …