الرئيسية / مقالات / الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل

الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل

بقلم القس عازر عجاج

مقدمة

تحتفل الكنائس الإنجيلية عامة والكنيسة اللوثرية خاصة بمرور خمسمئة سنة على حركة الإصلاح الديني الذي بدأ به مارتن لوثر في عام 1517. ففي 31 تشرين الاول من السنة ذاتها قام لوثر بدق اطروحاته الخمس والتسعين الشهيرة على باب كتدرائية ويتنبرغ، منتقداً بها ممارسات الكنيسة الكاثوليكية وبعض معتقداتها، ومطالبًا بإجراء إصلاح وتغيير في تلك الممارسات والمعتقدات.

ومما لا شك فيه أن حركة الاصلاح هذه كان لها تأثيرا كبيرا على تغيير خريطة التاريخ الديني والسياسي والاجتماعي في العالم المسيحي. لم يكن هذا التغيير والتأثير يحصل لولا شجاعة أشخاص مثل لوثر وغيره من المصلحين، الذين سعوا ليطيعوا كلمة الله، ويعملوا مشيئته رغم التحديات والصعوبات الكبيرة التي كانت تقف أمامهم، خاصة بعد أن راعهم ما رأوا من انحراف الكينسة عن “روحانية العبادة، وحرارة المحبة، وجمال الشركة، وبساطة الإيمان، ونقاوة الحياة”. ويعوزنا الوقت والجهد للوقوف على أسباب الإصلاح وتداعياته اللاهوتية والكنسية وغيرها من مؤثرات. لكني ارتأيت أن ألخص  في هذه الصفحات، الأوضاع الكنسية في تلك الفترة التي ساهمت في إعادة التفكير عند الكثير من رجال الدين والعلمانيين في ما يتعلق بعلاقة الانسان مع الله ودور سلطة الكنيسة في ذلك، مسلطًا ضوءًا ولو بسيطًا على الشخصية الرئيسية في الاصلاح، ألا وهو مارتن لوثر. آملًا أن تساهم هذه المقالة في إعادة التفكير في دور الاصلاح المستمر في كنائسنا من ناحية، ودور كنائسنا في إصلاح المجمتع وامتداد ملكوت الله من ناحية أخرى.

تحديات واجهتها الكنيسة في العصور الوسطى

كيما نستطيع فهم الأرضية والظروف التي مهدت الطريق أمام الإصلاح، علينا الرجوع للوراء بما يتعلق بتاريخ الكنيسة، وتحديدًا لمجمع نيقية الذي عُقد سنة 325. حيث نجد في قانون الايمان النيقاوي تعريفًا مساعدًا عن الكنيسة، نصه: “… ونؤمن بكنيسة واحدة، جامعة مقدسة رسولية…”. وها قد مرت نحو ألف سنة، والكنائس في كل العالم تردد الإيمان النيقاوي في طقوسها، لكن الكنيسة كانت تواجه تحديات جديّة بوحدتها، وبشموليتها، وبقداستها وبرسوليتها.

“كنيسة واحدة” ووحدة الكنيسة

لقد واجهت وحدة الكنيسة في بداية القرن الرابع عشر ثلاث تحديات رئيسية: أولًا تحدي الانشقاق بين الغرب والشرق. ثانيًا، تحدي أتباع جون هوس في بوهيمية ومتطلباتهم من البابوية. وثالثًا، التحدي من داخل البابوية حيث طالب عددٌ من البابوات بحقهم في الكرسي البابوي في آنٍ واحد.

الانشقاق بين الشرق والغرب

إن سنة 1054م سنة مهمة في تاريخ الكنيسة، فهذه السنة التي انقسمت فيها الكنيسة. ويعود سبب الانقسام لقضايا مختلفة بعضها يسهل حلّه كموضوع نوع الخبز المستعمل في الشركة المقدسة (مع خميرة أو بدونها)، وموضوع زواج الكهنة، والتثبيت في الكنيسة الشرقية كان يقوم به الكاهن وأمّا في الكنيسة الغربية كان يُجريه المطران. لكن هناك مسائل أخرى كان حلها أصعب بكثير.  فمكانة البابا مثلًا كانت موضوعًا شائكًا جدًا. ماذا كانت تعني مكانة بطرس (متى 18:16)؟ هل تعني أن الجالس على كرسي روما له مكانة أعلى من باقي الأساقفة، كما علّمت الكنيسة الغربية؟ أم أنها تعني أنه الأول بين المتساوين، كما علمت الكنيسة الشرقية؟.

وهناك مشكلة أساسية أخرى تُذكر غالبًا في سياق هذا الانشقاق، وهي الخلاف على جملة في قانون الإيمان النيقاوي، حيث تضيف الكنيسة الغربية “… الروح القدس المنبثق من الآب والابن“. بحسب قانون الإيمان النيقاوي الأصلي يجب أن نقول “وبالروح القدس المنبثق من الآب“. لكن بعد فترة من الزمن أُضيفت العبارة “والابن” من قبل الكنيسة الغربية في فترة كانت تواجه فيها الكنيسة بعض البدع التي أعطت مقامًا أعلى لله الآب من الله الابن، فإضافة هذه العبارة كانت للرد على هذه البدع. لكن هذا التغير اعتُبر من قبل الكنيسة الشرقية بدعة جديدة، وكأن هناك انبثاق مزدوج للروح القدس.

التحدي البوهيمي

كانت المملكة البوهيمية (جزءٌ من الجمهورية التشيكية اليوم) قوة عسكرية لا يستهان بها. مع أن التحديات للبابوية وُجدت من قبل، لكن عندما أتت هذه التحديات من بوهيمية سبب هذا الأمر إزعاجًا لكل أوروبا. وقد كانت جذور التحديات التي جاءت من المملكة البوهيمية مرتبطة بتعليم شخص من إنكلترا يُدعى جون ويكلف.

ولد ويكلف سنة 1320، وبعد حصوله على درجة الدكتوراة في اللاهوت بدأ يعلم في جامعة أوكسفورد، وهناك ترجم الكتاب المقدس الى اللغة الانكليزية. وقد ساء ويكلف ما رآه من فساد داخل الكنيسة وابتدأ بانتقادها، بالأخص غنى الكنيسة الفاحش الذي يتناقض مع الفقر الذي عاشه التلاميذ. كما وهاجم سلطة البابا معلنا أن المسيح وحده رأس الكنيسة والكتاب المقدس السلطان الوحيد فيها. كانت هذه الانتقادات المباشرة للكنيسة من قبل جون ويكلف كافية لإدانته من قبل البابا غريغوريس الحادي عشر سنة 1377.

وكان لتعليم وكليف هذا، الأثر الكبير لاحقًا على شخص من براغ يُدعى جون هوس، وذلك خلال الفترة التي قضاها هوس في جامعة أوكسفورد. انضم هوس سنة 1400 الى سلك الكهنة، وبدأ بممارسة خدمته كعميد لجامعة براغ سنة 1402. ولم تمر فترة طويلة حتى أصبح تعليمه منتشرًا، واختلط أيضًا بأمور سياسية واجتماعية. وتدريجيًا، أصبح هوس وأتباعه (أو كما عُرّفوا، الوكليفيين من براغ) مهتمين على نحو أكبر بإصلاح الكنيسة. ومن الأشياء التي طالبوا بها:

  • استخدام لغة الشعب في طقس الذبيحة المقدسة.
  • أن يُقدم للشعب الخبز والخمر وقت المناولة وليس الخبز وحده.
  • أن يُعطى لهم الحق بمعاقبة الكهنة على خطايا أخلاقية.

وقد كانت هذه المتطلبات مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بتعاليم ويكلف. وبسبب موقف هوس هذا قام بطريرك براغ سنة 1408 بمنع هوس من الوعظ. لكن هذا المنع لم يحد هوس، وفي سنة 1411 وعظ ضد بيع صكوك الغفران، وقام في سنة 1412، علنًا، بالمدافعة عن تعليم ويكلف، فأُلقي عليه الحرمان الكنسي.

الانشقاق داخل البابوية

لقد كان التحدي الثالث الذي واجهته الكنيسة تحديًا مُخجلاً، فهو تحدي من البابوية نفسها. ففي سنة 1309 انتقلت البابوية من روما الى أفنيون في فرنسا، وقد كان سبب هذا الانتقال، المواجهة بين البابا بونيفس الثامن وفيليب مللك فرنسا. فقد بدأ الملك بمطالبة الكنيسة بدفع الضرائب على مدخولها، الأمر الذي لم يستطع البابا أن يتحمله، وقام بتهديد الملك بإلقاء الحرمان الكنسي عليه. وقد كان رد فعل الملك فيليب بتوقيف الذهب الذي كان يُرسل من فرنسا للكنيسة. وتحت هذا الضغط خضع البابا لملك فرنسا، وانتقل مكان البابوية لمنطقة أفنيون في فرنسا، وقد عُرفت هذه الفترة  بفترة “السبي البابلي للكنيسة“.

استمر الأمر على حاله حتى سنة 1377، حيث قام البابا غريغوري السادس بإرجاع البابوية الى روما. وقد سر هذا الأمر سكان روما، وقد أملوا أيضًا أن يعيّن بابا جديد من سكان روما ليتوج احتفالهم. وبالفعل في آذار 1378 قام 16 كردينالاً بانتخاب البابا أوربان السادس وهو إيطالي الأصل. وبعد فترة قصيرة من انتخابه، قام بإعلان عن إصلاحات من شأنها أن تزيد التأثير الطلياني وتنقص من التأثير الفرنسي على البابوية. وكما هو متوقع، ساء الفرنسيون انتقال البابوية من أفنيون، وساءهم أكثر الإصلاحات الجديدة.

وفي شهر آب من سنة 1378 أعلن الـ 11 كردينالاً فرنسيًا (بالإضافة الى الكردينال الإسباني) أنهم قاموا بالتصويت لأوربن السادس تحت ضغط وتخويف من الجماهير الطليانية. واجتمعوا مرة أخرى وانتخبوا كلمنت السابع، ابن عم شارل الخامس ملك فرنسا، للبابوية. وأصبح لدينا الآن شخصان للكرسي البابوي نفسه، واحد في روما والآخر في أفنيون. وقد انتُخب كلاهما بأغلبية أصوات الكرادلة أيضًا، الأمر الذي جعل الاثنين قانونيين.

وحتى يُعالج هذا الأمر المُحرج، عُقد مجمع بيزا سنة 1409 بهدف أخراج الكنيسة من هذا المأزق. وقد كان أعضاء المجمع مكّون من الكرادلة الذين إنتخبوا البابوين السابقين، فقام المجمع بالاعلان أن البابوين هم هراطقة وقام بانتخاب بابا جديد من بيزا وهو البابا ألكسندر الخامس. لكن الإشكالية كانت أنه يحق للبابا فقط الدعوة الى عقد مجمع، ولهذا السبب لم يقم لا أوربان السادس ولا كلمنت السابع بالتنازل عن منصبه. وبذلك ترأس الكنيسة في تلك الفترة ثلاثة باباوات، تم انتخاب كل منهم بصورة شرعية.

إذن، وبعد مرور ألف سنة على قانون الإيمان النيقاوي، الذي كان ثمرة قسطنطين الناجحة، سنة 325، لتوحيد الكنيسة بإيمان وممارسة واحدة في جميع أنحاء إمبرطوريته، كانت وحدة الكنيسة غائبة بكل وضوح.

“كنيسة الرسولية” وأفضلية بطرس

إرتبط تعريف الكنيسة بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية بمركز ومكانة الرسول بطرس، التعليم الذي أصبح معروفًا بأفضلية وأولوية مكانة بطرس. ويرتبط هذا التعليم بصورة مباشرة بما جاء في متى 18:16، حيث نقرأ كرد لسؤال المسيح، “من يقولوا الناس أني أنا؟” أن بطرس أجاب بكل تأكيد: “أنت المسيح إبن الله الحي“. وبناء على هذا أعلن المسيح: ” أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي…”

وقد كان المفهوم التقليدي لهذه العبارة، أنه بعد صعود المسيح أخذ بطرس على عاتقه مسؤولية الرسل وخدمتهم، وتنتقل هذه المسؤولية من بطرس إلى البابا. وبحسب التقليد أيضًا، استشهد بطرس في روما، مما أعطى كنيسة روما أولوية على باقي الكنائس بكونها كرسي الرسول بطرس، الذي اعتبروه الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة. لكن هذا التفسير لم يكن التفسير الوحيد، فقد فسر البعض الصخرة بأنها المسيح، أو إعتراف بطرس، ولن أتطرق هنا لهذا الأمر والنقاش الذي حوله ودور الرسل الآخرين مثل يعقوب وبولس، وهل بالفعل كانت روما مكان خدمة بطرس الرئيسية.

على كل حال، وجود ثلاثة بابوات سبب إحراجًا كبيرًا للكنيسة بما يختص بالخلافة الرسولية لبطرس. ولحل هذه المشكلة أتت الدعوة لعقد مجمع كنسي. لقد كانت هناك مقاومة شديدة لهذه الفكرة، إذ أن التعليم السائد كان أن البابا لا يخضع لأي سُلطة ولا يُحاكم إلا من قبل الله. لكن شر الانقسام الموجود كان مُلّحًا أكثر من التمسك بهذا التعليم.

مجمع كونستنس

وفي سنة 1414 دعا الإمبرطور سيغيسموند وبابا بيزا يوحنا الثالث والعشرين الى عقد مجمع كونستنس لبحث الأزمة الموجودة. وقد أعطى البيان الصادر عن المجمع السلطة والقوة للمجمع، خاصةً أن الجميع كان بحسب البيان، خاضعًا لقرارات المجمع. وخلال ثلاثة سنوات نجح المجمع في إقالة الثلاثة بابوات، وفي سنة 1417 تم إنتخاب بابا جديد، مارتين الخامس. وبالرغم أن هذا الأمر جنّب الكنيسة إحراج من إنشقاق جديد، إلا أن رسولية الكنيسة وكيف فُهمت هذه الكلمة كانت تواجه تحديات، فوجود ثلاث بابوات في آنٍ واحد خلق مشكلة جدية وإحراج كبير للكنيسة.

ومن أحد الأمور المهمة التي قام هذا المجمع ببحثه، هي مشكلة جون هوس وأتباعه. فقد توجه جون هوس سنة 1415 الى هناك متوقعًا أن يُقنع المجمع بصحة تعاليمه وتعاليم جون ويكليف. وقد كان ذكر الأخير السبب في إصدار الحكم عليه. وفي شهر تموز من نفس السنة قام المجمع بإصدار الحكم بحرقه. وبدل الوحدة الذي كان المجمع يتوقع أن تحدث، قامت ثورة في بوهيمية والتي هددت بقية أوروبا. وقد اضطرت المجامع المقبلة التعامل مع متطلبات أتباع جون هوس. وقد عقّب لوثر لاحقًا عن هذا الأمر بقوله: “إذا اعتبر مثل هذا الرجل هرطوقًا، إذا لا يمكن أن يُنظر إلى أي إنسان تحت الشمس كمسيحي حقيقي”.

“كنيسة مقدسة” وحياة الكنيسة

مع النجاح الذي حققه التمرد الديني الذي قام به جون ويكلف في إنجلترا وجون هوس في بوهيمية، إزدادت الأصوات بالمنادة بالإصلاح الأخلاقي داخل الكنيسة. والسؤال هنا، هل يمكن للكنيسة أن تكون مقدسة إذا كان هناك حاجة لهذا النوع من الإصلاح؟

الوضع الاقتصادي في أوروبا و”محبة المال”

كتب الرسول بولس إلى تيموثاوس أن “محبة المال أصل لكل الشرور” 1تيمو 10:6. وهذه الآية يصبح لها معنى، خاصة بإنتشار روح المادية والسعي وراء الغنى المادي في العصور الوسطى. وقد وقعت الكنيسة في هذا الفخ، ونشأ صراع بينها وبين الدولة لمن يعود حق فرض الضرائب. وثار الفلاحون في القرى والضياع بسبب ازدياد الضرائب عامة، وقامت في فرنسا ثورة فلاحين سنة 1358، وأخرى في إنجلترا سنة 1381.

وقد كانت الكنيسة مبدعة عندما كان الأمر يتعلق بجمع الأموال وإيجاد مصادر للدخل. فصكوك الغفران مثلًا كانت واحدة من مصادر الدخل المعتمد عليها. كما وطالبت البابوية بجبي أموال مقابل حل بعض الخطايا، خاصةً كتلك التي تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق رجال الدين، أو بحق أملاك الكنيسة أو سلطتها. ضريبة إجبارية بقيمة 10% كانت ملقاة على رجال الدين. كما ووضعت رسوم للسماح بزواج ممنوع بسبب ارتباطات عائلية. آخرون كانوا يدفعون للحصول على عدة مناصب كنسية في الوقت نفسه. وآخرون يستطيعون أن يدفعوا المال لينالوا الغفران على تعاملهم بالربا. “وتم في تلك الفترة اصدار صكوكٍ متنوعة الاشكال والمفعول لغفران أنواع ودرجات للخطايا المختلفة؛ وكل نوع من الصكوك له ثمن يتناسب مع مقدار شناعة الخطية التي يتم غفرانها”. وقد قال مواطن اسباني، “أرى اننا نادرا ما نحصل على شيء من خدام المسيح إلا بالمال. العماد بالمال، الاعتراف بالمال، الزواج بالمال، ولا يمكن الحصول على سر المسحة الاخيرة بدون المال، ولا مراسم للدفن بدون المال”.

وفي سنة 1476 وسّع البابا سكتوس الرابع موضوع جباية الاموال ليشمل المطهر وشراء الخلاص لأشخاص قد انتقلوا من هذا العالم. ومن الجمل الشهيرة بما يتعلق بالمطهر التي دخلت التاريخ هي جملة الراهب جون تتزل، الذي اشتهر ببيع صكوك الغفران، حيث كان ينهي عظاته بقوله “في نفس اللحظة التي ترن فيها دراهمكم في الصندوق تخرج النفس المطهرية حرة منطلقة الى السماء”. من ناحية أخرى، أدى النهم المادي لدى الكنيسة إلى استيلاء النبلاء على المراكز العالية فيها إذ أنهم هم فقط لديهم المال الكافي لشراء المناصب. وبذلك أصبح المال هو المعيار الذي على أساسه يُعيّن المطران أو البطرك وليس المواهب الروحية والقدرات اللاهوتية. مما أدى إلى خلق هوة بين المطارنة ورجال الدين أنفسهم.

وبدلاً من أن يقوم رجال الدين بمقاومة هذه الظاهرة، قلدوها هم أيضًا، فوضعوا الضرائب على أعضاء الكنيسة، وأصبحت خدمة الكاهن تُقدم مع توقع مردود مالي مقابل الخدمة. وإحدى القضايا المشهورة التي أدت إلى تشويه صورة الكنيسة كانت قضية ريتشارد هون سنة 1511. وهو تاجر إنكليزي رفض دفع رسوم دفن طفله، مُدعيًا أن هذا الأمر غير من مسؤولية الكنيسة. وبسبب رفضه هذا رفع عليه الكاهن دعوى للمحكمة الكنسية، وبكونه رجل علماني ادّعى ريتشارد أن للمحكمة الكنسية لا  تملك أي سلطة عليه. لكن سنة 1514  اعتقله مطران روما وزجّه في السجن، وهناك وجد مشنوقًا. ادّعى الحراس أنه انتحر، لكن الجميع أدرك أنه قُتل. أدت هذه القضية إلى تشويه صورة الكنيسة بطريقة لا يمكن إصلاحها. وكنتيجة لهذه الأمور فقدت الكنيسة جزءًا كبيرًا من احترام الناس لها.

وكمثال على سمعة الكنيسة السيئة أذكر هنا ما كتبه الكاتب الايطالي بيرارك:

هنا يحكم خلفاء صيادي الجليل الفقراء. لقد تناسوا أصولهم تمامًا. هنا في “بابل” (أفنيون)، موطن كل الرذائل والتعاسة. لا تقوى، لا إيمان ولا وقار، لا خوف الله، لا شيء مقدس، لا شيء عادل، لا شيء مكرس. كل ما سمعتموه عن الغدر، والغش، والكبرياء، والوقاحة والدعارة المستبيحة، وكل الشرور التي يعرضها عليكم العالم، تتجمع هنا.

أصوات تنادي بالإصلاح

واجهت أوروبا في تلك الفترة أوضاع اقتصادية صعبة. والسبب الرئيسي في هذه الأوضاع هو نمو السكان المتزايد، الذي بسببه أصبحت المواد المتوفرة غير كافية، مما خلق عدم استقرار على جميع الأصعدة. أدى الوضع الاقتصادي المتقلقل من جهة ومتطلبات الكنيسة المادية المستمرة من الناس من جهة أخرى، إلى تساؤلات من قبل الكثيرين عن استقامة الكنيسة، وابتدأت أصوات مختلفة تنادي بالحاجة للإصلاح في الكنيسة. ويمكن ذكر عدة أشخاص منهم يوحنا وسيلوس الهولندي، الذي هاجم صكوك الغفران حيث علّم أن كل عمل يقوم به الانسان كمحاولة تكفير عن الخطية ما هو إلا تجديف على المسيح. كما انتقد وعلم دكتور اللاهوت يوحنا ويساليا من جامعة إرفورت، أن الخلاص هو بالنعمة والايمان بالمسيح، وبأن الكهنة والبابا وممارسات أخرى لا يمكن ان تكون وسائط للخلاص. وقد واجه جيروم سانوفارولا حكم الاعدام هو واثنين من رفاقه بسبب انتقادهم للفساد داخل الكنيسة. وبكلمات أخرى، أصبح فساد الكنيسة مزعجًا للشعب، وتزايدت الاصوات المنادية بالإصلاح.

“كنيسة جامعة” ومستويات تأثير الكنيسة

لم تسعَ الكنيسة إلى فرض نفوذها في الإطار الكنسي فحسب، بل سعت أيضًا إلى كسب سلطة على المستوى السياسي، وفرض نفوذها على السلطة الدنيوية. كان دور الكنيسة في المجتمع العادي والدولة ينقسم بين متى 19:16 (بطرس كالصخرة) وبين لوقا 25:20 (أعطوا ما لقيصر لقيصر). وقد تعلق تفسير هذه الآيات بمن يفسرها، الدولة أم الكنيسة. في السابق اعتبرت السياسة كأمر ضروري لحالة الإنسان الساقطة، وقد إعتُبرت أقل قيمة من الكنيسة. لكن في سنة 800 قام الإمبراطور شارلمان بأسبقية مهمة، حيث تُوج من قِبل البابا. وقد أصبح هذا النهج مُتّبعًا من سنة 962 ولغاية بداية القرن السادس عشر، وبهذا أصبح الأباطرة وكأنهم يخضعون للبابا. فعلى سبيل المثال قال البابا انوسنت الثالث، انه “كما يستمد القمر نوره من الشمس كذلك يستمد الملك الذي يحكم أجساد الناس كل قوته من البابا الذي يحكم نفوس الناس“. وبالمقابل رأى الإمبراطور نفسه كأنه حامي الكنيسة، بكونه أقوى عضو فيها، وبهذا وضع نفسه أعلى من السلطة الدينية.

لكن مع الوقت أخذت الأمور تشتد حدة بين الدولة والكنيسة. ووصلت هذه التحديات إلى ذُروتها سنة 1075 حين لغى البابا غريغوري السابع (1073-1085) حق السلطة السياسية بترشيح رجال دين. فقد كان المطارنة في ذلك الوقت يُرسمون من قبل الإمبراطور. وقد أزعج الإمبراطور هنري الرابع (1056- 1106) هذا الأمر، فكان هناك فريقان، الفريق الأول الإمبراطور، والمطارنة الألمان الموالين له، والنبلاء الذين كان لهم مطامع في السيطرة على الشؤون الكنسية. والفريق الثاني البابا، والكرادلة الذين كانوا يسعون للسيطرة على الامبراطورية.

على إثر ذلك قام هنري الرابع بإقالة البابا، وقام المطارنة أتباعه بإعلان استقلاليتهم عن البابا سنة 1076. وردًا على ذلك قام البابا بإلقاء الحرمان على الإمبراطور. وبسبب خوف الإمبراطور من حدوث ثورات، قام بعمله الشهير لطلب الغفران من البابا، حيث قام سنة 1077 بالوقوف 3 أيام على باب البابا حتى نال العفو. لكنه عاد سريعًا للتدخل بشؤون الكنيسة، مما اضطر بالبابا يإلقاء الحرمان عليه ثانيةً. لكن على ما يبدو أن تأثير الحرمان الثاني أقل من الأول. وفي النهاية، تم التوصل إلى حل وسط بين الطرفين سنة 1122، حيث إتفق البابا كليكستوس (1119-1124) والإمبراطور هنري الخامس (1106-1125) في ورمس على أن يتخلى الإمبراطور عن حقه في تعيين مطارنة، وسمح له البابا أن يحضر وقت الانتخاب كقاضٍ.

المدافعون

كان للجهتين باحثين دعموهم ومدافعين دافعوا عن موقفهم. يعتبر اللاهوتي جيمس فيتيربو (1255-1308) واحد من أشهر الأشخاص الذين دعموا البابوية، بنظره الكنيسة لها السلطة الكاملة الوحيدة في العالم. وبالطريقة نفسها التي يحتاج الإنسان الساقط لنعمة الله كيما يخلص، كذلك يحتاج الملك إلى الكنيسة.

أما من الأشخاص المؤثرين الذين وقفوا بصف الملوك كان مارسيليوس من فادوا (1290-1343)، وهو فيلسوف سياسي صاحب الكتاب المشهور المدافع عن السلام (وقصد به الإمبراطور). والأفكار المركزية التي نادى بها كانت، تقليص صلاحية الكنيسة في الأمور العالمية، وحصر سلطة البابا على رجال الدين فقط. الكنيسة يجب أن توجه اهتمامها للمجال الروحي وممارسة الأسرار الكنسية، وليس الاهتمام بالأمور العالمية. كما ودعم مرسيليوس حركة الفرنسيسكان التقشفية ودان الغنى والسلطة التي كانت للكنيسة. نتيجة لذلك أدانه البابا يوحنا الثاني عشر سنة 1327 متهمًا إياه بالهرطقة.

هبة قسطنطين

أحد الأمور المركزية التي استخدمها البابوات للرد على هذه التعاليم، كانت وثيقة عُرفت باسم “هِبَة قسطنطين“. وقد اكتُشف لاحقًا أنها وثيقة مزورة كتبت بين الأعوام 750-800. بحسب هذه الوثيقة كان قسطنطين قد وهب البابا سيلفيستر كل الأماكن، والمقاطعات في الغرب عندما نقل العاصمة إلى القسطنطينية. لذلك فالسلطة التي كانت بيد الإمبراطور هي ببساطة بسبب كرم الكنيسة. لكن يمكن أيضًا رؤية الأمر بصورة مختلفة، بما أن قسطنطين هو الذي وهب الأملاك للكنيسة، كان هذا دليل على أن السلطة هي بيد الإمبراطور، ويمكنه أن يستخدمها كما يراه مناسبًا.

وباختصار، يُظهر كل هذا النقاش أن محاولات الكنيسة المستمرة لفرض سيطرتها على النظام السياسي كانت تحدٍ آخر أساء كل الإساءة لسمعتها ووضعها مرات ليس بقليلة في مواقف محرجة.

أمور أخرى ساهمت في حركة الاصلاح

الطباعة

لقد كان اختراع آلة الطباعة أهم الاخراعات تأثيرًا في تلك الفترة. فقد اخترع جون غوتينبرج سنة 1453 آلة الطباعة. وقد ساعد سعر الورق الرخيص في تلك الفترة إلى انتشار الكتب. وفي نهاية القرن السادس عشر كان هناك 200 مدينة وقرية يمتلكوا المطابع. وفي الأربعين سنة بين 1460-1500 تم طباعة كتب في أوروبا أكثر من كل فترة العصور الوسطى. وهناك إعتقاد سائد، ومن الممكن أن يكون صحيحًا، أن أكثر حركة ساعدت الطباعة في יنتشارها، كانت حركة الإصلاح. ويمكننا إدراك المساهمة الكبيرة للطباعة لحركة الإصلاح، من خلال التأثير الكبير في تشكيل اللغة. فعلى سبيل المثال، قد تأثرت اللغة الألمانية بأسلوب الكتابة، والإملاء والقواعد التي استخدمها لوثر، كذلك تأثرت اللغة الفرنسية من كتابات جون كلفين. وبسبب انتشار الطباعة نشأ انفتاح لاهوتي كبير في القرن السادس عشر، وتُرجم الكتاب المقدس إلى اللغات العامية ولغات مختلفة. وخلال هذه الفترة القصيرة، يمكننا رؤية تأثير الطباعة في تغيير الحقائق والمفاهيم الدينية في تلك الفترة. كما وأدى نشوء الدول القومية في إنكلترا وفرنسا واسبانيا الى نوع من الاستقلالية وانخراط أشخاص من الطبقات المتوسطة في السياسة مما أضعف مكانة البابا وتأثيره.

ملخص

لقد رأينا حتى الآن أن الطريق أصبحت ممهدة أمام الإصلاح من خلال التحديات السياسية والكنسية في أوروبا، فالبدع وتعدد الآراء والمعتقدات كانت منتشرة في تلك الفترة، أضف الى ذلك نشوء حركات فكرية مختلفة التي كانت تشير إلى التعددية في التعاليم. ومن ناحية أخرى كانت هناك حركات تنسكية مثل تلك التي أسسها فرنسيس الأسيزي، والتي تشير إلى التنوع في الآراء والحياة داخل الكنيسة. كما وكانت التحديات الداخلية الموجودة في الكنيسة والانشقاقات، كالانشقاق في البابوية، والتحديات من الملوك والأباطرة، أسباب وضعت الكنيسة في محنة وجعلتها أن تكون أضعف مما كانت عليه. وضع معلمون في الجامعات مثل جون ويكلف تحديات مباشرة لممارسات غير مقبولة، وبالمقابل تبناها رجال دين مثل جون هوس وطالبوا بإجراء إصلاحات داخل الكنيسة. أضف إلى ذلك أن التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت تشير إلى التغيير القادم في الأفق.

مـارتن لـوثر

عادةً ما يرتبط التاريخ بتغيير في الأفكار، لكن بالطبع هناك أفراد وأشخاص يقفون وراء هذه الأفكار التي تغيّر التاريخ. في هذا الوقت من التاريخ، يُعتبر مارتن لوثر واحد من هؤلاء الأشخاص الذين ارتبطت أسماءهم بتغيير إصلاحي ديني الذي كان له التأثير على الحياة الدينية، والاجتماعية، والسياسية والثقافية حتى يومنا هذا. واختلفت حول لوثر الآراء والاعتقادات، قال البعض انه راهب شرير صاحب تعاليم شيطانية. ورأى آخرون انه مسيحي أمين أراد أن يصلح الكنيسة بسبب الفساد الذي دب فيها. وقال البعض الآخر انه سبب انشقاق الكنيسة (خاصة في الغرب). ولكن قال غيرهم انه رجل الإصلاح الأول بلا منازع. اتهمه البعض بالهرطقة والإلحاد ونقض العهود، ولكن رآه البعض اقدس مسيحي حافظ على ولائه للسيد ولكلامه المبارك. فمن هو لوثر وما هي قصته؟

ولد مارتن لوثر سنة 1483 في ألمانيا، وخلال دراسته في المدرسة كان يحضّر نفسه لدراسة القانون بحسب رغبة والديه. فالتحق بجامعة إرفورت سنة 1501 وابتدأء بالدراسات العامة كالفلسفة والفلك والمنطق وغيرها من علوم كتحضير لدراسة القانون. لكنه مر بحادث سنة 1505 غيّر مجرى حياته. تفاصيل هذا الحادث غير واضحة، لكن ما نعرفه أنه أصيب بنوبة من الذعر والخوف إثر عاصفة رعدية، قطع فيها عهدًا أنه إذا خرج سليمًا من هذه العاصفة سيدخل في سلك الكهنوت. وقد وفى لوثر بعهده، وبعد بضعة أشهر التحق بكلية أوغسطين، وذلك بعكس رغبة أهله.

رُسم لوثر ككاهن سنة 1507، وأُرسل بعد ذلك بسنة إلى جامعة ويتنبرج، التي كانت قد تأسست قبل 6 سنوات ليعلم فلسفة أرسطو. كان لوثر يعلم في الجامعة وبالمقابل يكمل دراساته العليا، وخلال 5 سنوات من الدراسة نال شهادة الدكتوراة في اللاهوت. وتخللت هذه الفترة زيارة الى روما، وقد تركت هذه الزيارة، بعكس ما توقع، أثرأ سلبيا في حياته، خاصة بعدما رأى الفساد الأخلاقي المستشري في الكنيسة ورجال الدين هناك، حتى أنه قال عن روما أنها المدينة العاهرة التي أساساتها في الجحيم. وقد زادته هذه الزيارة من التخبطات ونوبات من القلق والاضطراب التي كان يواجهها عندما يفكر بما يتعلق بمصيره الأبدي، والتي أزعجته كثيرًا. وفي سنة 1515 وبعد صراعه مع رسالة رومية وخاصةً 17:1، تغيرت حياته، حيث يلخص بنفسه ما جرى معه بما يملي:

وأخير أشفق الله علي وعندئذ بدأت افهم ان عبارة “بر الله” تعني ان الإنسان المؤمن يحيا بالبر الذي يمنحه له الله… على ان هذا البر الذي يبررنا به الله هو رحمة منه ننالها عن طريق الإيمان. كما هو مكتوب وأما البار فبالإيمان يحيا. وحالا شعرت بأنني أولد من جديد وان أبواب السماء قد فُتحت على مصراعيها أمامي ومن هذه اللحظة بدأ الكتاب كله يظهر امام عيني بمظهر آخر وبقدر ما كنت اكره عبارة بر الله، صرت أحبها… وهكذا أصبح هذا النص بالنسبة لي باب السماء

وفي يوم عيد القديسين سنة 1517، قام بعمله المشهور حيث علّق اعتراضاته الـ 95 على باب الكنيسة في ويتنبرج. ما علقه لوثر كان اعتراضاته على ممارسات الكنيسة خاصة في موضوع الزواج غير الشرعي للكهنة، وبيع المناصب الكهنوتية، وصكوك الغفران، وأخذ الضرائب من الناس، وتدخل الكنيسة في الأمور السياسية. في تلك الفترة كانت هذه الطريقة من الاعتراضات مقبولة، وباب الكنيسة كان مكانًا تعلّق عليه الإعلانات، وما قام به لوثر كان جزءًا من العادات الأكاديمية في ذلك الوقت، وكأنه كان يقول، هذه هي آرائي وأنا مستعد لبحثها ومناقشتها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر أورد بعض ما كتبه لوثر في هذه البنود.

  • إن الآراء المغلوطة بما يتعلق بالكفارة في المطهر، ما هي إلا زوان نبت في حقل الكنيسة في غفلة من رجال الدين. (البند 11)
  • الذين يعتقدون بخلاصهم من عذاب الجحيم لحصولهم على الوعود البابوية سيقضون أبدية تعيسة في جهنم برفقة الذين علموهم هذه الامور. (البند 31)
  • كل مسيحي يترك خطاياه ويتوب عنها توبة صادقة، تُغفر له خطاياه ولا حاجة لخطابات توصية من البابا. (البند 36)

كنتيجة لاعتراضات لوثر هذه طلب منه الكردينال كاجيتيان في سنة 1518 أن يحضُر إلى أوسبورغ ليُحاكم على تعاليمه الجديدة، لكن الأمير فريدريك الحكيم والي سكسونيا ومؤسس جامعة ويتنبرغ، رفض السماح له بالذهاب إلى حين يتعهدوا بأن يعطوه فرصة عادلة ليسمعوه، وقد أعطى هذا الامر فرصة للوثر بالاستمرار في نشر تعليمه الجديد.

حتى الآن نحن أمام وضع لا يختلف كثيرًا عن وضع جون هوس في بوهيمية. فلوثر كان كاهنًا نجح في إقناع الرأي المحلي في الجامعة بوجهة نظره. والكثير من الاعتراضات التي آثارها كانت مشابهة لتلك التي سبق وآثارها جون هوس وجون ويكلف، بالرغم من أن تشديد لوثر كان مختلفًا بعض الشيء. لكن ما سيأتي من أحداث سياسية ستساهم الى حد بعيد في إعطاء المجال للوثر بالاستمرار بتعاليمه والجديدة وترسيخها.

الأحداث السياسية وتأثيرها على الاصلاح

نُصّب شارل الخامس على عرش إسبانيا سنة 1516، وبعد ثلاثة سنين من اعتلائه العرش توفي جده مكسيميليان الأول إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فسعى شارل للإستيلاء على العرش، ونافسه على ذلك فرنسيس الأول ملك فرنسا. بما أن شارل كان حفيد مكسيميليان، فالعرش كان من حقه. لكن بسبب كبر مملكته، عارضه ملك فرنسا والبابا. وقد حدثت كل تلك الصراعات في الفترة التي كان بها لوثر تحت الفحص، وبسبب كل هذه التحركات السياسية والسؤال حول خلافة الإمبراطور، نسوا لوثر وابتعدت عنه الأنظار لفترة من الزمن.

أما البابا فرغب بأن يتولى هذا منصب الإمبراطور إما هنري الثامن ملك إنجلترا أو فريدريك الحكيم حاكم سكسونية. لكن لم يكن لفريدرك أي طموح أو مطامع في هذا المنصب، وقام بدعم شارل. وبسبب دعم فريدريك في انتخاب الإمبراطور، اضطر شارل أن يرد له الجميل، فأصبحت اللغة الألمانية واللاتينية اللغة الرسمية للإمبراطورية، ولا يُرسل أي جندي اسباني لأراضي ألمانية، وأعطي للألمان مراكز عالية في الدولة، وكان لألمانيا محاكم محلية تُعالج قضاياها.

محكمة ورمز

لم يكن هدف لوثر كما سبق وذكرنا الانفصال علن الكنيسة، بل وضع انتقاداته آملا أن تقود بصورة ما الى أجراء اصلاحات في الكنيسة ونبذ كل ما يحدث من فساد وشر، واسترجاعها لقداستها وطهارتها. لكن على ما يبدو أن البابا لم يرَ الامور بهذه الصورة فقام سنة 1520 باصدار قرار حرمان ضد لوثر. وما ان استلم لوثر كتاب الحرمان قام هو وزملائه بحرقه وحرق الدستور الكنسي. فكان هذا مثابة إعلان رسمي من  لوثر عن استقلاله عن الكنيسة الكاثوليكية.

وفي شهر آذار سنة 1521، دعى الإمبراطور شارل إلى محكمة في ورمز لبحث التهديدات الناتجة عن لوثر وأتباعه. وقد كان كل المطلوب من لوثر الاجابة عن سؤالين، هل هو مؤلف الكتب التي نُشرت باسمه؟ وإن كان جوابه بالايجاب، فهل يؤيد ما جاء فيها أم هو على استعداد للتراجع عن ما كتب؟ بكلمات أخرى طُلب من لوثر أن يعيد النظر في تعاليمه ويتراجع عنها، وأن يقبل بعصمة البابا والمجامع الكنسية. طلب لوثر مهلة قصيرة لمدة يوم وبالنهاية كان جوابه لهم كالآتي:

أيها السادة النبلاء، أنتم تطلبون مني جوابًا واضحًا صريحًا عما إذا كنت مستعدًا أن أعدل عن أقوالي بعدم عصمة البابا والمجامع المقدسة، وها هو جوابي البسيط. إنني لا اؤمن بهذه العصمة… وما لم يقنعني أحد بالاقناع العقلي والكتابي أن ما أقوله خطأ، فلن استطيع أن أغير ما قلت، ذلك لأني مقيد بكلمات الكتاب المقدس… نعم ان كلمة الله قد استأثرت ضميري، لذلك لا استطيع، ولا أريد أن اعدل عن شيء من أقوالي، لانه ليس من الصواب ولا من الأمان ان يسلك الانسان ضد ضميره. وها هنا أقف، ولا استطيع أن أفعل غير ذلك، والله معي.

وقع الملك فريدريك بهذا القرار بين المطرقة والسدان، فمن ناحية كان صديق شارل وهو الذي ساعد في انتخابه، لكن من الناحية الأخرى كان فخورًا بجامعة ويتنبرج التي أسسها بنفسه، والتي أصبحت مشهورة جدًا تحت قيادة لوثر. وفي النهاية قرر فريدريك الوقوف في صف لوثر وحمايته. وعندما أصدر الإمبراطور مرسومًا بشهر أيار سنة 1521 يأمر باعتقال لوثر، استمر فريدريك بحمايته. وبهذا لم يكن يعرَض نفسه لتهمة التجديف على الكنيسة فحسب بل لمواجهة (ربما حربية) مع الإمبراطور أيضًا.

حروب

من اللحظة التي رجع فيها الإمبراطور من ورمز ولغاية سنة 1530، لم يهدأ له بال، فقد كانت جميع حدود إمبراطوريته مهددة. فمن الناحية الشرقية كانت حدوده مهددة من قبل الأتراك، ومن الناحية الغربية كانت فرنسا تحاول استرجاع أراضي من عائلة هابسبرغ بادعاء أن هذه الأراضي تابعة لها، أضف إلى ذلك مقاومة البابوية لحكم شارل في إيطاليا. كل هذه الظروف قللت من الضغط على سكسونية، على فريدريك ولوثر. وفي سنة 1525 وقعت الحرب بين فرنسا وإسبانيا، وبانتصار إسبانيا في الحرب جعلوا ملك فرنسا يوقع على اتفاقية مُذلة سنة 1526، ويُسلم ابنه كرهينة وضمان لهذه الاتفاقية. اعتقدت إنجلترا، عدوة فرنسا التقليدية، بقيادة الملك هنري الثامن أن شارل تصرف بصورة خاطئة عندما لم يقتل الملك الفرنسي. وكنتيجة غيّر هنري موقفه وانضم لصف فرنسا سنة 1526 فيما يعرف بحلف كوغنك، كما وانضم إليهم البابا وبعض أقسام من إيطاليا ليقفوا جميعهم بوجه الإمبراطور.

في تلك الفترة كان شارل مضطر أن يواجه الخطر التركي الذي كان قد احتل هنغاريا وكان يقف على أعتاب فينا في النمسا. وكان بأمس الحاجة إلى المساعدة من الألمان، خاصةً مساعدة عسكرية. وكنتيجة لذلك اضطر أن يتعهد أن لا يقوم بأي خطوة ضد لوثر وأتباعه حتى انعقاد مجمع كنسي. استمرت الحروب الداخلية والخارجية تلاحق الامبراطور حتى سنة 1529، وخلال هذه الفترة أُتيح المجال للوثر لنشر تعاليمه واعتراضاته على الكنيسة الكاثوليكية.

مجلس أوغسبرغ

كما رأينا لم يتسنى للإمبراطور أن يتابع قراره من مجمع ورمز بسبب التحديات السياسية في الامبراطورية، لذلك ما أن هدأت هذه الاحوال وقتيًا، قرر عقد مجمع لحل الازمة الدينية وذلك بالدعوة لمجلس الأمّة (الدايت) في مدينة أوغسبرغ، يتاح فيه لقادة كل فريق تقديم معتقداتهم الدينية والمحاولة للوصول لحل يرضي الطرفين. وعلى أثر هذا القرار قام الامبراطور بدعوة للقاء كهذا بتاريخ 8 نيسان 1530. لم يحضر لوثر هذا اللقاء المهم، وربما يكون ذلك لسببين، الأول متعلق بالحرمان البابوي الذي ألقي عليه، الذي ممكن أن يعرضه للخطر؛ والثاني يمكن أن يكون قد مُنع من قِبل زملائه من حضور هذا المجلس الذي يبحث قضيته، وذلك لحدة طبعه. وبسبب تغيب لوثر عن المجلس،  أُرسل أحد تلاميذه الذي يُدعى فيليب ميلانكثون، الذي كان قد قدم اقتراحًا للمجلس يُدعى “إقرار أوغسبرغ“، قدم فيه بعض التنازلات وحلول الوسط، إلا أن هذا الاقتراح رُفض كما رُفض اقتراح آخر من قبل أتباع أورليخ زوينغلي. وقد أمر الإمبرطور شارل كل البروتسنت بالرجوع إلى الكنيسة الكاثوليكية خلال سنة واحدة.

لكن هذا الطلب كان سخيفًا نوعًا ما ، فحركة لوثر وتعاليمه كانت قد انتشرت خلال مدة أكثر من عشر سنوات، مُستغلة موضوع الطباعة والاستقلال السياسي النسبي التي كانت تحظى به ألمانيا، في الوقت الذي كانت فيه بقية بلدان أوروبا تغرق في فوضى الحرب. مدن كاملة كانت قد تحولت عن الكاثوليكية، وأغلب رجال الدين تزوجوا، وألغي نظام الرهبنة، وتحولت الأديرة لمؤسسات أخرى تستعملها الكنيسة. أضف إلى ذلك أن التهديد من الإمبراطور أصبح من الممكن تجاهله وذلك بسبب وجود حرب جديدة في الأفق.

في سنة 1531 تأسس حلف مكون من عدة مقاطعات ألمانية، جميعها كانت بروتستنتية، وقد كان هذا الحلف تحدٍ لمواجهة شارل. وقد كان تأسيس هذا الحلف سببًا في تغيير تفكير لوثر السياسي. فحتى ذلك الوقت كان لوثر يُعلّم أن مقاومة الاستبداد السياسي هو أمر غير مسيحي. فالمسيحي يجب أن يكون مطيعًا، ومتحملاً الألم، وخاضعًا للسلطة، فهذه هي الصفات الحقيقية للإيمان. لكن مع إعلان الإمبراطور عن متطلباته من البروتستنت في مجلس أوغسبرغ، رأى لوثر أن مقاومة الاستبداد السياسي خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات البروتستنتية، أمر يمكن تبريره. ومع أن لوثر لم يتدخل كثيرًا في السياسة إلا أن ما يؤخذ عليه حتى يومنا هذا دعمه للأمراء في إخمادهم لثورة الفلاحين بين السنوات 1524-1525، وخاصة جملته الشهيرة “قاتلوا هؤلاء الفلاحين ككلاب مسعورة”، والتي سبتقى أحد النقاط المثيرة للجدل في حياة هذا المصلح.

سلام أوغسبرغ

توفي لوثر في سنة 1546، لكن حركته كانت قد تأسست جيّدًا. وأصبح الخلاف بين الكنيسة البروتستنتية والإمبراطور غير متعلق به شخصيًا. وبعد سنة من موت لوثر قام شارل بهزيمة الحلف البروتستنتي، لكن الوقت كان متأخرًا جدًا لوقف ما بدأ به لوثر. وتوّصل الفريقان المتنازعان لاحقًا إلى اتفاق يضمن الحرية الدينية وذلك ما يعرف بـ “سلام أوغسبرغ” سنة 1555. وبحسب هذا الاتفاق حصل البروتستنت على اعتراف في مناطق معينة. فالمنطقة التي يحكمها أمير بروتستنتي، تصبح منطقة بروتستنتية. وحيث الأمير كاثوليكي، تكون المنطقة كاثوليكية. وهذا الأمر لا ينطبق على ألمانيا فحسب، بل على كل الإمبراطورية. كنتيجة لهذا، حدثت حركة هجرة كبيرة من منطقة لأخرى، فالبروتستنت الذين كانوا يعيشون في منطقة كاثوليكية انتقلوا للعيش في منطقة بروتستنتية، والعكس بالعكس.

تلخيص

رأينا أن الإمبراطورية في فترة لوثر كانت تواجه عدم استقرار، وفوضى وارتباك. هذا الوضع بالإضافة إلى الفساد الموجود في الكنيسة، كان أرضًا خصبة نمت فيها بذور تعاليم الإصلاح. أضف الى ذلك “إن الله الذي قدمته كنيسة العصور الوسطى للناس، هو إله الدينونة الغاضب على شر الناس، والذي ينبغي على الناس بدورهم أن يطيعوا أوامر كنيسته التي أعطاها سلطانه على الأرض”. مما خلق انفتاحًا في قلوب الناس في تلك الفترة للسماع عن إله محب، ومخلص وغافر للذنوب، ويهتم بالناس وبسعادتهم.

إن الأحداث التاريخية للكنسية هذه يجب أن تبقى أمام أعين الكنيسة اليوم، حتى لا تقع في أخطاء الماضي. ومن الامور التي يجب أن تبقى حية: أولًا، رفض أي استغلال للدين لقمع حرية الانسان، والسيطرة على عقول وعواطف الناس، وإلا أمسى الدين “أداة بيد الاقوياء لاستعباد الضعفاء واستغلالهم فكريًا ومعنويًا وماديًا”.

ثانيًا، لقد أدى صراع لوثر من أجل الحرية المسيحية الى فتح النقاش حول الحرية الدينية، وتطور هذا النقاش لاحقًا ليتعدى الدائرة الدينية ويشمل حقوق الانسان العامة أيضًا، ولا يمكننا التغاضي عن دور الاصلاح الانجيلي في دعم هذا الأمر دعمًا كبيرًا. ولذا على الكنيسة اليوم أن لا تهمل صوتها ودورها النبوي في الدفاع عن حرية الفرد والوقوف أمام الظلم والعنصرية والاضطهاد وأي فساد سياسي أو مادي. على الكنيسة أن تبحث عن الطرق المسيحية الكتابية التي ترضي الله من ناحية وتعلن صوته من ناحية أخرى.

ثالثًا، على الكنيسة أن تتذكر إرساليتها للعالم لنشر إنجيل المسيح، لكن هذا لا يحدث بانعزالها وابتعادها عن الشعب ومشاكلهم وتحدياتهم. لقد قرّب لوثر الايمان الانجيلي للناس من خلال ترجمته للكتاب المقدس بلغتهم، لقد اقترب لوثر من الشعب وأثر فيه.

وأخيرًا علينا أن نتذكر أن الاصلاح هو عملية مستمرة. الاصلاح يعني أن نعطي مجال لكلمة الله وروحه أن يغيّرنا ويصلحنا كل يوم ليضيء نورنا على نحو أفضل، فإن غاب الاصلاح عن كنائسنا غاب عنها المسيح.

المراجع العربية

الخضري، حنا. المصلح مارتن لوثر حياته وتعاليمه. القاهرة: دار الثقافة.

المنفلوطي، جاد. تاريخ المسيحية: المسيحية في العصور الوسطى. القاهرة: دار النشر الأسقفية، 1978.

خلف، غسان. محاضرة بعنوان “الإصلاح الإنجيلي والحرية الدينيّة” بيروت: كلية بيروت الانجيلية الوطنية، 2000.

زكي، عزت. تاريخ المسيحية: المسيحية في عصر الإصلاح. القاهرة: دار النشر الآسقفية، 1980.

فارس، فايز. أضواء على الإصلاح الإنجيلي. القاهرة: دار الثقافة، 1984.

كيرنز، ايرل. المسيحية عبر العصور. ترجمة عاطف برنابا. نيقوسيا، قبرص: ICI، 1992.

لوريمر، جوني. تاريخ الكنيسة. ترجمة عزرا مرجان. الجزء الرابع. القاهرة: دار الثقافة، 1990.

مشرقي، لبيب. حديث مع لوثر. بيروت: مركز المطبوعات المسيحية، 1965.

مِلر، أندرو. مختصر تاريخ الكنيسة. القاهرة: مكتبة الإخوة، 2003.

موريسون، أ. حياة لوثر. ترجمة باقي صدقة. القاهرة: دار الثقافة، 1950.

هندايكس، سكوت. مارتن لوثر. ترجمة كوثر محمود محمد. القاهرة: هنداوي، 2014.

يونان، منيب، المحرر. إقرار أوْغسْبُرغ. القدس: 1993.

المراجع الانكليزية

Atria Larson, Keith Sisson, ed. A Companion to the Medieval Papacy: Growth of an Ideology and Institution. Boston: Brill, 2016.

Graves, Dan.”Peace at Augsburg,” (accessed June 12, 2017)

http://www.christianity.com/church/church-history/timeline/1501-1600/peace-at-augsburg-11629989.html

Kenneth Boa, Sid Buzzell, Bill Perkins. Handbook to Leadership: Leadership in the Image of God. Atlanta: Trinity Hose Publishers, INC., 2007.

Townsend, George. The Acts and Monuments of John Foxe. London: Seeley, Burnside and Seely, 1839.

Wilde, Robert. “The Donation of Constantine,” (accessed June 5, 2017)

https://www.thoughtco.com/the-donation-of-constantine-1221782

يمكنكم تحميل ملف المقالة بالضغط هنا.

شاهد أيضاً

داعش واتباع المسيح!

داعش، أي الدولة الإسلامية في العراق والشام، هو تنظيم أرهابي بكل معنى الكلمة. ويتبنى التنظيم فكرة الدولة الدينية التي تحاول إقامة الخلافة الإسلامية. ويستخدم النظام وسائل القتل اللانسانية والوحشية بهدف القضاء على أي مقاومة نفسية أو عسكرية تقف في طريقهم. ونختلف مع داعش بسبب قيمهم وأخلاقياتهم التي تتعارض مع تعاليم الكتاب المقدس.